المحجوب
263
عدة الإنابة في أماكن الإجابة
وإذا بفقير رثّ الهيئة جلس إليّ ، مما يلي كتفه الأيسر ، وقال : سلام عليك ، فرددت السلام عليه ، وكنت منشغلا بالذكر ، فقال لي : أنت مجاور هنا ؟ قلت : نعم . قال : كم لك هنا ؟ فوجدت عليه في نفسي ، وقلت : ما حملك على السؤال ؟ ورجعت إلى ما كنت عليه من الذكر ، فسكت ، ثم قال : ما رأيت هاهنا من الآيات منذ أقامك اللّه ؟ فانزعجت منه ، وقلت : أي آية أعجب من هذا البيت ! لا يخلو من طائف في ليل ولا نهار مع ما الناس فيه من الاشتغال ، وكان الطواف إذ ذاك عاطما بالبيت ، فسكت ، وعدت على ما كنت عليه من الذكر ، ثم قال : أتعجب من الطائفين بالبيت ، إنما العجب ممن يطوف به البيت « 1 » ، فنهض قائما وانصرف عني في صورة المنزعج ، وقلت في نفسي : إن هذا الرجل أحمق ، سمع هذا القول مما تقدم فذكره على لساني ، فجلست متفكرا فيه ، وذهب ما كنت فيه من الذكر . فرفعت رأسي وإذا بالبيت يدور بالطائفين دورانا بأشد ما يكون من الدوران ، فقمت يومئذ باكيا مستغفرا ودخلت الطواف لأجل الرجل ، فلم أجد له خبرا . وروي عن بعض الأخيار : أنه كان في الطواف ، وإذا بصبي قد أقبل واستلم الحجر يطوف ، فلما حاذى البيت أرخى البيت رأسه وقبّل رأس الصبي ، فعجب من ذلك ! وقال لي : منذ سنين أكثر الطواف بك ولم تفعل بي ذلك ، فقالت الكعبة : هذا من أولادي أو كما قيل . والحاصل : أن فضلهم عظيم ، وقد تقدم منه كثير في فضل الحرم بمكة وغيرها .
--> ( 1 ) هذه من عبارات أهل الإشارة ومصطلحاتهم في التعبير عن الحب الإلهي ، وقد شدد النكير ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية على مثل هذا القول : « وكذا من يقول : بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا فهلّا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث أحصر عنها ، وهو يود منها نظرة . . . » . ص 513 .